الغزالي
54
المستصفى
وهو يريد التحريم . الثاني : ما نهي عنه نهي تنزيه ، وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله وإن لم يكن عليه عقاب ، كما أن الندب هو الذي أشعر بأن فعله خير من تركه . الثالث : ترك ما هو الأولى وإن لم ينه عنه ، كترك صلاة الضحى مثلا ، لا لنهي ورد عنه ، ولكن لكثرة فضله وثوابه ، قيل فيه : إنه مكروه تركه . الرابع : ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه ، كلحم السبع وقليل النبيذ ، وهذا فيه نظر ، لان من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام ومن أداه اجتهاده إلى حله فلا معنى للكراهية فيه إلا إذا كان من شبهة الخصم حزازة في نفسه ووقع في قلبه ، فقد قال ( ص ) : الاثم حزاز القلب فلا يقبح إطلاق لفظ الكراهة ، لما فيه من خوف التحريم ، وإن كان غالب الظن الحل ، ويتجه هذا على مذهب من يقول : المصيب واحد فأما من صوب كل مجتهد فالحل عنده مقطوع به إذا غلب على ظنه الحل . وإذا فرغنا من تمهيد الأقسام فلنذكر المسائل المتشعبة عنها مسألة ( أصناف الواجب ) الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم بين أقسام محصورة ، ويسمى واجبا مخيرا كخصلة من خصال الكفارة ، فإن الواجب من جملتها واحد لا بعينه ، وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا : لا معنى للايجاب مع التخيير ، فإنهما متناقضان ، ونحن ندعي أن ذلك جائز عقلا وواقع شرعا : أما دليل جوازه عقلا : فهو أن السيد إذا قال لعبده : أوجبت عليك خياطة هذا القميص ، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به وأثبتك عليه ، وإن تركت الجميع عاقبتك ولست أوجب الجميع ، وإنما أوجب واحدا لا بعينه ، أي واحد أردت ، فهذا كلام معقول ، ولا يمكن أن يقال أنه لم يوجب عليه شيئا ، لأنه عرضه للعقاب بترك الجميع فلا ينفك عن الوجوب ، ولا يمكن أن يقال : أوجب واحدا لا بعينه وأما دليل وقوعه شرعا فخصال الكفارة ، بل إيجاب إعتاق الرقبة ، فإنه بالإضافة إلى أعيان العبيد مخير ، وكذلك تزويج البكر الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين واجب ، ولا سبيل إلى إيجاب الجمع ، وكذلك عقد الإمامة لاحد الامامين الصالحين للإمامة واجب والجمع محال ، فإن قيل : الواجب جميع خصال الكفارة ، فلو تركها عوقب على الجميع ، ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبا ، ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر ، وقد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء ، وذلك غير محال ، قلنا هذا لا يطرد في الامامين والكفؤين ، فإن الجمع فيه حرام ، فكيف يكون الكل واجبا ؟ ثم هو خلاف الاجماع في خصال الكفارة ، إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب . واحتجوا بأن الخصال الثلاث إن كانت متساوية الصفات عند الله تعالى بالإضافة إلى صلاح العبد ، فينبغي أن يجب الجميع ، تسوية بين المتساويات ، وأن تميز بعضها بوصف يقتضي الايجاب ، فينبغي أن يكون هو الواجب ، ولا يجعل مبهما بغيره كيلا يلتبس بغيره ، قلنا ومن سلم لكم أن للأفعال أوصافا في ذواتها لأجلها ، يوجبها الله تعالى ، بل الايجاب إليه ، وله أن يعين واحدة من الثلاث المتساويات فيخصصها بالايجاب دون غيرها ، وله أن يوجب واحدا لا بعينه ، ويجعل مناط التعيين اختيار المكلف لفعله حتى لا يتعذر عليه الامتثال ؟ احتجوا : بأن الواجب هو الذي يتعلق به الايجاب وإذا كان الواجب واحدا من الخصال الثلاث علم الله تعالى ما تعلق به الايجاب ، فيتميز ذلك في علمه ، فكان هو الواجب ، قلنا : إذا أوجب واحدا لا بعينه